الحلبي

17

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ففعلوا ذلك بعد أن سلط اللّه تعالى على جرهم دواب تشبه النغف بالغين المعجمة والفاء : وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم ، فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب . وقيل سلط اللّه عليهم الرعاف فأفنى غالبهم : أي وجاز أن يكون ذلك الدم ناشئا عن ذلك الدود فلا مخالفة ، وذهب من بقي إلى اليمن مع عمرو بن الحرث الجرهمي آخر من ملك أمر مكة من جرهم ، وحزنت جرهم على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا وقال عمرو أبياتا منها : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر وكنا ولاة البيت من بعد ثابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والدهور البواتر ومن غريب الاتفاق ما حكاه بعضهم قال : كنت أكتب بين يدي الوزير يحيى بن خالد البرمكي أيام الرشيد فأخذه النوم ، فنام برهة ثم انتبه مذعورا فقال : الأمر كما كان ، واللّه ذهب ملكنا ، وذل عزنا ، وانقضت أيام دولتنا . قلت : وما ذاك أصلح اللّه الوزير ؟ قال : سمعت منشدا أنشدني : كأن لم يكن بين الحجون البيت ، وأجبته من غير روية : بلى نحن كنا أهلها البيت ، فلما كان اليوم الثالث وأنا بين يديه على عادتي إذ جاءه إنسان وأكب عليه ، وأخبره أن الرشيد قتل جعفرا الساعة قال : أو قد فعل ؟ قال نعم ، فما زاد أن رمى القلم من يده وقال : هكذا تقوم الساعة بغتة . ومما يؤثر عن يحيى هذا : ينبغي للإنسان أن يكتب أحسن ما يسمع ، ويحفظ أحسن ما يكتب ، ويحدث بأحسن ما يحفظ . وقال : من لم يبت على سرور الوعد لم يجد للصنيعة طعما . وصارت خزاعة بعد جرهم ولاة البيت والحكام بمكة كما تقدم ، وكان كبير خزاعة عمرو بن لحي ، وهو ابن بنت عمرو بن الحارث الجرهمي آخر ملوك جرهم المتقدم ذكره . وقد بلغ عمرو بن لحي في العرب من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده في الجاهلية . وهو أول من أطعم الحج بمكة سدائف الإبل ولحمانها على الثريد . والسدائف : جمع سديف ، وهو شحم السنام ، وذهب شرفه في العرب كل مذهب حتى صار قوله دينا متبعا لا يخالف . وفي كلام بعضهم : صار عمرو للعرب ربا ، لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة ، لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم ، وربما نحر لهم في الموسم عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة . وهو أول من غير دين إبراهيم : أي فقد قال بعضهم : تظافرت نصوص العلماء